كل شيء له علاقة بالسياسة، من الاقتصاد حتى الحرب، وبالتالي، فالرياضة ليست استثناء، بمعنى أن كل شيء له دوافع وخلفيات سياسية.

وللرياضة فلسفتها وأهدافها الخاصة، وأكبر نموذج لذلك مفاهيم وأهداف الحركة الأولمبية التي فضل منشئها بيير دي كوبرتان النأي بها عن السياسة والدين والنوع.

إسرائيل تمنع كرة القدم في الضفة وغزة

على المستوى العربي، أصبحت هناك دورات عربية وأخرى إسلامية، وأصبحت هناك دورات إقليمية أيضا، وهو ما يمكن من القول إن تطورا حصل حتى في المفاهيم، وبالتالي غدت الرياضة بالتدريج سياسة، بل وأصبحا مكملين لبعضهما البعض. ولن نبالغ إذا أكدنا أن التداخل بين السياسي والرياضي بالعالم العربي عرف أوج نقاوته خلال فترة الاستعمار، إذ أن الرياضة عامة وكرة القدم على الخصوص كانت الوسيلة الفعالة لتحقيق عدة نتائج سياسية، أولاها الانتصار على الفرق الأجنبية بكل ما يحمل ذلك من تأكيد للتفوق وإذكاء لحماس المقاومين في إنجاز عملياتهم الفدائية، وثانيها يتجلى في كون الملتقيات الرياضية غالبا ما كانت تنتهي بمظاهرات مناهضة للمحتل من خلال استغلال الحضور الجماهيري المكثف.

وقد انتبهت إسرائيل لهذه الظاهرة، فمنعت إقامة مباريات كرة القدم في غزة والضفة الغربية بعد انتفاضة سنة 1987، وذلك تفاديا لتحول الهيجان الذي تخلقه هذه المباريات في الجمهور إلى مواجهات مع القوات العسكرية، علما بأن من بين شهداء الانتفاضة الفلسطينية، هناك 50 رياضيا شهيدا و500 جريح ومعظمهم معاق. وفي السياق ذاته، صرح صائب جندية عميد المنتخب الفلسطيني لكرة القدم أثناء تصفيات كأس العالم 2002 “إن شعبي يقاتل بالحجارة، وأنا أقاتل من أجله عبر كرة القدم”.

بسام صحافي فلسطيني مقطع الأوصال مثل الرياضة الفلسطينية

يتذكر بسام أبو عرة جيدا اللحظة التي كان خلالها جنود الاحتلال الاسرائيلي يجرون فلسطينيا في أحياء الخليل مضجعا وسط دمائه بعدما أردوه قتيلا، لكن ما يتذكره أكثر هو أن الشهيد كان لاعب كرة القدم، فهو شاكر حسونة أحد لاعبي أهلي الخليل، وهو يقول ذلك تأكيدا منه على أن الانتفاضة لم تكن قضية فئة معينة “إذ أن الرصاص الاسرائيلي لم يستثن قط الرياضيين”، وسبق له أن اقتنص ذات يوم ماهر عياد حامل الحزام الأسود في الكراطي وطارق فندو عميد الفريق الثقافي لطولكرم وماجد رضوان حارس مرمى شباب البيرة.

 بسام أبو عرة، صحافي رياضي ب”الحياة اليومية” الصادرة برام الله، وهي صحيفة تابعة للسلطة الفلسطينية تطبع حوالي 17 ألف نسخة يوميا، وتنقل أحداث مساء الأمس في اليوم الموالي. وبسام (36 سنة) لم يكن ليحضر إلى السعودية لتغطية الدورة الأولى من ألعاب التضامن الإسلامي شهر أبريل من سنة 2005 لولا التغطية المالية المسبقة من اللجنة المنظمة، لكن ذلك لم يكن حلا لمشكلته، فقد اضطر إلى الذهاب برا إلى العاصمة الأردنية عمان قادما إليها من الضفة الغربية، عبر الجسر الذي هو بالأساس نقطة تفتيش إسرائيلية. وفي عمان كان على بسام أن ينتظر يومين من أجل نيل التأشيرة السعودية.

ومن خبث الصدف أن الطائرة السعودية التي أقلت الوفد الفلسطيني حملت نظيره العراقي في رحلة رياضية تحاكى فيها الرياضيون عن همومهم السياسية بكلا البلدين قبل ولوج ملاعب جدة والطائف والمدينة المنورة ومكة المكرمة.

حضر الوفد الفلسطيني بـ87 عضوا على دفعتين، الأولى حضرت من الضفة بعد مرورها من الجسر وعمان، والثانية قدمت من غزة عبر معبر رفح والقاهرة. وشارك رياضيو فلسطين في 10 ألعاب رياضية بدون أن يحصلوا ولو ميدالية واحدة، بل إن أفضل مركز عادوا به هو العاشر في كرة السلة من بين 16 فريقا شاركوا في المنافسة.

 ولم يكن الوفد الفلسطيني كاملا، فقد اقتطعت نقطة التفتيش الاسرائيلية بالجسر 6 رياضيين يمارسون الكراطي وألعاب القوى ثبت أنه سبق اعتقالهم في السجون الاسرائيلية أو مشتبه في انتمائهم إلى إحدى التنظيمات الفلسطينية المقاتلة، والأمر ذاته بالنسبة إلى 4 من لاعبي كرة القدم في نقطة تفتيش بغزة.

تجربة الجزائر لم تنجح في فلسطين

الوفد الفلسطيني هو توليفة من المتناقضات، فجل منتخباته هي عبارة عن رياضيين يلتقون ويتعرفون على بعضهم البعض يوما واحدا قبل المنافسة، إذ من الصعب جدا تجميع منتخب واحد في معسكر تدريبي واحد بالنظر إلى رفض إسرائيل تنقل سكان الضفة وغزة فيما بينهم، لكن منتخب كرة القدم كسر القاعدة لأول مرة، ليس إيمانا من الاسرائيليين بشعبية اللعبة، وإنما بسبب وجود المدرب عزمي نصار الحاصل على جنسيتين فلسطينية واسرائيلية، ونصار هذا من فلسطينيي 1948 ومقيم بالناصرة، ولعب لمنتخب اسرائيل ما بين 82 و89 وعد من بين أفضل لاعبي كرة القدم إلى جانب عربيين آخرين هما رفعت ترك وزاهي أرملي، قبل أن يشرف على تدريب فريق إيخاء الناصر أحد أندية القسم الممتاز باسرائيل، ومنه انتقل إلى المنتخب الفلسطيني المشكل سنة 1995، وفاز معه بأول لقب سنة 1999 بالألعاب العربية بالأردن بعد ظفره بالميدالية النحاسية.

ويسهل على نصار، الذي يتقاضى 5 آلاف دولار شهريا، التنقل بين فلسطين واسرائيل، ونجح من خلال علاقاته الواسعة في حيازة تصريح للاعبي الضفة من أجل الانضمام إلى لاعبي غزة في معسكر واحد بحضور بعض اللاعبين الممارسين في البطولات الأردنية والسورية والمصرية، قبل أن يتوجهوا ضمن وفد واحد إلى جدة التي تكبدوا بها ثلاث هزائم أمام السعودية والجزائر واليمن.

في السنوات الأخيرة، ظل تيسير بركات، رجل أعمال فلسطيني مقيم بالكويت، راعيا للاتحاد الفلسطيني ماديا. أما مصاريف إجراء المباريات الدولية، فغالبا ما تتكفل الدولة المضيفة بكل شيء مقابل إجراء مباراتي الذهاب والإياب بملعبها، إذ في ظل رفض إسرائيل إقامة مباريات دولية في القطاع الخاضع للسلطة الفلسطينية، فإن منتخب فلسطين يستضيف أحيانا مبارياته بعمان. أما الدوري المحلي فلا وجود له بما أن الأمر يتعلق فقط ببطولة تنشيطية قابلة للإلغاء من طرف الاحتلال في أي وقت، بل إن مباراة بين فريقين فلسطينيين تتأجل خمس مرات على الأقل.

يقول بسام إن الفلسطينيين حاولوا تكرار تجربة الجزائر وهي تخوض كفاحها من أجل الاستقلال “لكن الظروف تغيرت، وشروط نجاح الفكرة انتفت بالمرة”، مشيرا إلى أن فلسطين مقطعة الأوصال “فأي فريق لا يمكنه التنقل بين بيت لحم والخليل ورام الله، فما بالك بالتنقل خارج الأراضي الفلسطينية”.

عرفات لم ينتش بفرصة ترؤس مباراة في كرة القدم

عندما كان عرفات يتنفس عبير الدنيا، كان ينزل من طائرة ليركب أخرى صوب مختلف بقاع العالم طالبا إنصاف الفلسطينيين، ورغم أنه كتب له دخول الأمم المتحدة بداية السبعينات حاملا غصن الزيتون، فإن فرصة ترؤس مباراة لكرة القدم بالأراضي الفلسطينية أو الانتشاء بلحظة منح الكأس للفريق الفائز كما يفعل كل قادة العالم لم تكتب له…إذ كما قال بسام “الملعب لم يكن آمنا واغتياله كان أمرا واردا”.

وتعود فكرة إنشاء المنتخب الفلسطيني إلى سنة 1964 عندما أنشأت منظمة التحرير الفلسطينية فريقا وطنيا على غرار ما قامت به جبهة التحرير الجزائرية، لكن مع اندلاع المقاومة قامت السلطات الإسرائيلية بمنع هذا المنتخب من إجراء المباريات حتى لا يستخدم هاته اللعبة في تأكيد الهوية الوطنية الفلسطينية.

انضمت فلسطين للاتحاد الدولي لكرة القدم سنة 1991 مستغلة الانفراج الذي كان يميز المفاوضات مع إسرائيل، ومنحت الفيفا فلسطين مبلغ مليون دولار لدعم الكرة في هذا البلد، وهو ما يعني أن الاعتراف بمنتخب فلسطين سبق الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

وبسبب الانتفاضة، كان هذا المنتخب يضطر إلى إجراء مبارياته في الخارج، غير أن ذلك لم يحل دونه وتقديم عرض قوي خلال تصفيات كأس العالم 2002 أمام منتخبات هونغ كونغ وقطر وماليزيا. وقد كانت المباريات تشهد رفع العلم الفلسطيني وعزف النشيد الوطني، ما جعل وزير الرياضة الفلسطيني يقول “إن اسمنا موجود الآن على الخريطة العالمية للرياضة”.

وخلقت منظمة التحرير الفلسطينية فريقا لكرة القدم على شاكلة جبهة التحرير الجزائرية لعب بفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، علما بأن فلسطين شاركت في تصفيات مونديال 1930 قبل قيام دولة إسرائيل. كما واجه منتخب فلسطين شهر دجنبر من سنة 1995 منتخبا مشكلا من لاعبي البطولة الفرنسية من ضمنهم نجم الكرة الفرنسية ميشيل بلاتيني، وانتهت المباراة بفوز الفلسطينيين بشكل أشعرهم بأنهم قطعوا خطوة أخرى في أفق الحصول على الاعتراف الرسمي بدولتهم.

د. منصف اليازغي

مقال صحفي نشر بيومية “الصباح” شهر ابريل 2005 على هامش دور التضامن الإسلامي بالمملكة العربية السعودية