منصف اليازغي : يمكن لمباراة في كرة القدم خلق خلاف سياسي بين بلدين كما يمكنها أن تقرب بينهما
قال إن ما لم تصلحه السياسة يمكن للرياضة أن تصلحه

محمد الشرع
المساء : 08 – 06 – 2011

هل يمكن لمباراة في كرة القدم التأثير على العلاقات السياسية بين بلدين؟

بالإمكان أن تكون مباراة رياضية من 90 دقيقة وراء خلق خلاف سياسي بين بلدين، وهنا أستحضر المباراة التي جرت في الثامن من يونيو 1963 بين منتخبي السلفادور والهندوراس
برسم تصفيات كأس العالم بالمكسيك 1970 الخاصة بمنطقة «الكونكاف»، وهي التي انتهت بفوز الهندوراس، غير أنه خلال مباراة العودة اضطر المنتخب إلى التوجه إلى الملعب عبر سيارة مصفحة، كما تم تمزيق العلم الوطني للهندوراس، علاوة على وفاة العديد من المشجعين، مما ترتب عنه قيام بعض الميلشيات المسلحة بالهندوراس بالتنكيل ببعض ساكنة السلفادور الموجودة بالحدود، فضلا عن مواجهات عسكرية عبر الطائرات، مما أدى إلى تدخل منظمة الدول الأمريكية من أجل دفع القوات السلفادورية إلى الانسحاب، وكل ذلك من أجل مباراة في كرة القدم لا تتعدى مدتها 90 دقيقة وتبقى مفتوحة، حسب أعراف اللعبة، على التعادل أو الانتصار أو الهزيمة. إذن التاريخ يشهد بأن مباراة في كرة القدم كانت سببا في حدوث خلاف سياسي بين بلدين، وإن كانت هناك حالة أخرى توضح بأن الخلافات السياسية تكون سببا في تأزيم المباريات الرياضية، وهنا أصوغ مثالا للخلاف السياسي الذي كان حول بعض الجزر قرب الأرجنتين بين هذه الأخيرة وبين أنجلترا، والذي شهد مواجهة في بداية الثمانينيات بين القوات العسكرية الإنجليزية ونظيرتها الأرجنتينية، ألقت بظلالها على مباراة المنتخبين خلال مونديال 1986، وهو الأمر ذاته الذي انطبق على مباريات ألمانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية سنة 1945، إذ كان للذل الذي عاشته فرنسا على يد القوات الألمانية تأثير على مباريات المنتخبين، فضلا عن المثال الأخير خلال المباراة التي جمعت في مونديال 1998 بين إيران والولايات المتحدة، إذ كانت العلاقات السياسية المتشنجة بين البلدين، التي دفعت إيران إلى وصف الولايات المتحدة بالشيطان ووصف الأخيرة للطرف الآخر بمحور الشر، سببا في تأزم العلاقات، وهو ما نتج عنه تحويل المباراة إلى مواجهة سياسية ابتعدت عن مضمونها الرياضي، رغم الصورة التي رسمها المنتخبان قبل بداية المباراة حينما أخذت عناصرهما صورة تذكارية لم تحل دون رفع الطابع السياسي عن المباراة.

في المقابل، هل تنجح كرة القدم في إصلاح ما أفسدته السياسة بين المغرب والجزائر، و تطبيع العلاقات بين الطرفين؟

- وجبت الإشارة قبل أن أتحدث عن مباراة المغرب والجزائر إلى أن الصين والولايات المتحدة أجرتا سنة 1994، باقتراح من هنري كيسنجر، مباريات رياضية في كرة السلة والطاولة لتذويب جليد الخلاف بينهما، وهنا تكمن أهمية الرياضة في تقريب الهوة، واستخدمت الرياضة في هذا النموذج، أساسا، لإعادة الدفء إلى العلاقات الأمريكية الصينية. وبالنسبة إلى حالة المغرب والجزائر، فإن المباراة بينهما لن تخرج عن الطابع السياسي الذي تلف فيه، رغم تصريحات رئيسي الاتحادين المغربي والجزائري، وإن كانت المحاولات الشعبية اختلفت عن المواقف الرسمية، إذ كان هناك استقبال كبير لأسود الأطلس ب عنابة رد عليه المغاربة باستقبال أكبر في مراكش رغبة في السمو بالمباراة من طابعها السياسي إلى طابع رياضي صرف، خصوصا أن الماضي الكروي، بداية من 1963 حتى الآن، غلب عليه الطابع السياسي، الذي ساهم في تأزيم المباريات التي جمعت بين منتخبي البلدين. وتكفي الإشارة إلى أنه خلال تصفيات كأس إفريقيا سنة 1972 بادر الراحل الحسن الثاني، بعد خسارة المغرب بثلاثة أهداف مقابل واحد بالجزائر، إلى تشكيل مجموعة اللاعبين الذين سيخوضون مباراة العودة وسلمها إلى أوفقير وإلى مدرب المنتخب آنذاك ديدينيك، وهي المباراة التي فاز خلالها المنتخب الوطني بهدفين لصفر، وتأهل بفضلها إلى نهائيات الكأس الإفريقية، وفي الغد نشرت جريدة «كورنير» صورة التشكيلة التي خاضت المباراة وكتبت فوقها «التشكيلة المقترحة من طرف الملك»، فضلا عن متابعة الراحل الحسن الثاني لكل صغيرة وكبيرة في مباراة المنتخبين سنة 1997، علاوة على ترؤسها من طرف العديد من الوزراء، طالما أن الفوز في مباراة رياضية قد يعني تسجيل نقاط في مرمى الخصم على المستوى السياسي.

مناصرو المنتخبين المغربي والجزائري أعطوا فكرة جيدة عما يجب أن تكون عليه العلاقات بين البلدين. هل يكفي ذلك للدفع بها إلى الأمام؟

- قبل أن أتحدث عن جمهور الفريقين، وجبت الإشارة إلى أن الشعبين ظلا دوما على التئام تام، فمصالحهما مشتركة ويجمعهما التاريخ والجغرافية، وبالتالي يصعب على السياسة التفريق بينهما، والاستقبال غير العادي من طرف أفراد الشعبين وليس المنظمين، الذي خص به كل طرف الجمهور الآخر، كفيل بتأكيد ذلك، حيث كانت صور الملك محمد السادس إلى جانب الرئيس الجزائري بوتفليقة، كما أن الأعلام المغربية كست شوارع عنابة خلال مباراة الذهاب، حسب ما أسر لي به بعض الجزائريين والصحافيين المغاربة، وهو ما حدث بالمغرب بعدما خص المغاربة أشقاءهم الجزائريين باستقبال حار، مؤكدين في رسالة قدماها معا إلى السياسيين على أن الرياضة يمكن أن تعبر عن التآخي أكثر من السياسيين، وبالتالي فالمباراة، بغض النظر عن نتيجتها، قدمت دروسا كبيرة للشعبين معا، خصوصا بالنسبة للسياسيين، موضحة بأن ما لم تصلحه السياسية يمكن للرياضة أن تصلحه.

ذكرت أن مواجهات المنتخبين تعكس بجلاء التلاحم الكبير بين الشعبين المغربي والجزائري، غير أن هناك من ربط تشجيع المغاربة للجزائر في كأس أمم إفريقيا الأخيرة ومونديال جنوب إفريقيا الأخير بالرغبة في نسيان تواضع المنتخب الوطني والانتقام منه، بطريقة غير مباشرة، بسبب غيابه عن العرسين الإفريقي والعالمي. كيف تنظر إلى هذا الطرح؟

- قد أختلف مع هذا الطرح، لماذا؟ لأنه على الدوام، سواء تعلق الأمر بالمغرب أو بدول أخرى، فإن التشجيع تحظى به، بدرجة أولى، الدول التي تتشارك معها في عدة أشياء، وأستشهد في هذا الصدد بتشجيع المغاربة للكاميرون في مونديال إيطاليا 1990 نظرا للانتماء إلى القارة الإفريقية. إذن الأمر ليس فيه كيل للجامعة أو للمنتخب بقدر ما أن وجود روابط تجمع الشعب مع مجموعة من البلدان هي الكفيلة بتحديد من سيحظى بالتشجيع، وهو ما عبر عنه المغاربة أيضا في مونديال 1982 حينما ساندوا منتخبي الكويت والجزائر، وهو الأمر ذاته مع المنتخب التونسي سنة 1978، وعليه لا أعتقد أن الأمر له علاقة بالانتقام أو شيء من هذا القبيل بقدر ما هو تلاحم طبيعي جدا مع بلد يمثل قارة أو عالم عربي.